الجواب المفيد فى الرد على ما شغب به علينا الجاهل المتعالم العنيد المسمى" لنكن امة واحدة ضد الضلال"
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فمن المعلوم أن الدعوة إلى الله –تعالى- لابد أن تقوم على منهج السلف الصالح، فكل دعوة لم تترسّم خطى هذه المنهج، وتتلمّس آثاره فهي دعوة خارجة محدثة بدعيّة، وكذلك كل داعية لم يتقيّد في دعوته بمنهج السلف، فهو داعية بدعة وضلالة، ولو ادعى وقال عكس ذلك. هذا وينبغي على كل مسلم أن يعلم ويعتقد أن مذهب السلف لا يكون إلا حقًا، وأنه لا عيب على من انتسب إليه أو اعتزى إليه، فإن هذا مقبول منه بالاتفاق، كما قال ابن تيمية –رحمه الله-. فالدعوة إلى الله لا تكون مقبولة إلا إذا كانت على ضوء الكتاب والسنّة ووفق فهم سلف الأمة. وينبغي أن يعلم أيضًا أن الله سبحانه قضى ولا رادّ لقضائه وأراد الاختلاف لهذه الأمة إرادة كونية قدرية، قال تعالى: "وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ". وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا". وقال أيضًا: "ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة". وهذا الاخلاف المذكور لا يحبه الله ولا يرضاه، وكذلك لا يحبه لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولايرضاه، بل نحن قد أمرنا بغيره؛ وهو السير على الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، والنجاة من هذا الاختلاف الكائن، لا تكون إلا بلزوم الفرقة الناجية الظاهرة المنصورة وهي جماعة المسلمين التي تمثّل ما كان عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فلابد في الطوائف المنتسبة إلى السنّة والجماعة من نوع تنازع، لكن لابد فيهم من طائفة تعتصم بالكتاب والسنّة كما أنه لابد أن يكون بين المسلمين تنازع واختلاف، لكنه لا يزال في هذه الأمة طائفة قائمة بالحق، لا يضرها من خالفها ولا من خذلها حتى تقوم الساعة".اهـ
قلت: فهذه الطائفة هي التي تتبع ولا تبتدع، وتتقيد بالقواعد الشرعية والضوابط المرعيّة في أقوالها وأعمالها وسائر شئون حياتها، فإذا علم ذلك، عرف أن الخروج عن هذه الأصول والضوابط، خروج على المذهب الحق وحيدة عنه، وإحداث في الدين وابتداع، وهذا يكون في الطوائف (الفرق والجماعات المحدثة) ويكون في الأفراد.
ثم إن زمرة أفراد انتسبوا للدعوة – بطريقة أو بأخرى- وهم قد أساءوا إليها وإلى أهلها بعدم تقيُّدهم بالقواعد والأصول ومخالفتهم للمعقول والمنقول؛ والدعوة عبادة، والعبادة مبناها على التوقيف، وهذا يعني أننا لا نتساهل مع هؤلاء في أقوالهم وأفعالهم ومذاهبهم إذا لم تستند إلى دليل من كتاب الله أو سنّة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وههنا ثمّة أمر يجب أن يضبط، وهو أنه ليس كل مخطئ مأجورًا على الدوام؛ بل من استفرغ جهده وتحرى الحق، وبذل ما في وسعه وهو في ذلك متبع لسبيل المؤمنين في طلب الحق من الكتاب والسنّة، وكان ممن توافرت فيه شروط العالم، فهذا معذور وخطؤه مغفور كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر". أما من اتّبع هواه، وأصّل وقعّد تبعًا لذلك، وتكلف ما جهل؛ فهذا ليس بمعذور ولا مأجور.
وعليه لزم تبيين الأخطاء والرد على المخالف، فهذا من النصح لله ولكتابه ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم، وهذا التبيين هو إنكار للمنكر، وحفظ للشريعة وصيانتها من أن يتلاعب بها أهل الباطل والأهواء، ثم يقال عنها زورًا وبهتانًا إنها من أخطاء العلماء!!
ومع هذا الوضوح والبيان ترى بعض المتعالمين وأنصاف المتعلمين يستنكفون من ذلك، ويقولون: إن هذا يورد المهالك! ويطالبون بإخفاء الحق وعدم الرد على من خالف من الخلق، طلبًا للوحدة والاتفاق ـزعمواـ ولا يدرون أن هذا سبب الفرقة والشقاق.
ولعل قائلًا يقول: أليس من أخطأ من هؤلاء المذكورين متأولًا معذورًا، فنقول: لا والله، بل هو معاند مغرور، ذلك أنه نصح المرة تلو المرة وبين خطؤه أكثر من مرة، ولكنه لم يعبأ وعاود الكرّة، فمثل هذا التحذير منه واجب، والكشف عن منهجه الفاسد حتم لازب، ذلك أنه قد اتبع هواه، وأصمّه حبه للباطل وأعماه.
فلا أحد يعيب علينا -إذًا- إن اتبعنا سبيل الكتاب والسنّة فرددنا عليه بالآيات البيّنات والبراهين الواضحات، بل يعيب هو على نفسه لأنه انتصر لشيخه وأصمّ أذنيه وغطّى عينيه.
فالمنافح عن هؤلاء، إما جاهل فيُعَرّف، أو أنهم لبسوا عليه بما لهم من بهرجات ودعايات وتضليلات، فهذا -إن شاء الله- إذا كشف له الغطاء، وأظهر له الحق، وابتعد عن التعصّب للرجال -بغير حق- فإنه يرجع ويكون وقّافًا عند الحق؛ أما من دافع عنهم بالباطل بعد أن ظهر عوارهم، وكُشف له زيغهم وخداعهم فهذا أحمق مأفون لا حيلة لي فيه، لأنه حاد عن سبيل الرشاد، وحبك الشيء يُعمي ويصم.
ثم أقول: قد تستنكف أخي طالب الحق من بعض الجمل والألفاظ وتستهولها؛ لكن إذا عرفت منهج السلف وشدّتهم على أمثال هؤلاء، وإذا عرفت كم أفسد هؤلاء وأضلّوا من شباب الأمة، عرفت أننا لم نتحامل عليهم، وأن ما قلناه فيهم ووصفناه بهم، غيض من فيض، وقليل من كثير مما قالوه أو فعلوه، فإلى الله المشتكى وعنده الموعد وهنالك تبلى كل نفس بما عملت، وما الله بغافل عما يعملون قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى ( 3/232): "ما ذكرتم من لين الكلام والمخاطبةبالتي هي أحسن فأنتم تعلمون أني من أكثر الناس استعمالًا لهذا؛ لكن كل شيء في موضعه حسن؛وحيث أمر الله ورسوله بالإغلاظ على المتكلم لبغيه وعدوانه على الكتاب والسنَّة فنحن مأمورون بمقابلته، لم نكن مأمورين أن نخاطبه بالتي هي أحسن؛ ومن المعلوم أنالله تعالى يقول: "ولا تهنوا ولا تـحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين" فمن كان مؤمنًا فإنه الأعلى بنص القرآن".اهـ
ولأن كثيرًا من الشباب اليوم لا يعرفون هذه الحقيقة خبطوا خبط عشواء وركبوا متن عمياء في صحراء جرداء لا زرع فيها ولا ماء، فالتف هؤلاء الشباب حول أقوام ظنوا فيهم العلم والفهم، لا سيما مع عدم الجلوس وأخذ العلم عن عالم رباني صاحب منهج وتربية، والشباب تغلب عليه العاطفة والحماسة للدين، ولا يستطيع أن يفرق بين الغث والسمين وهؤلاء الدعاة يدعون أنهم دعاة سلفيون وأنهم على منهج الحق يسيرون، والدعاوى إذا لم تقم عليها بينات أصحابها أدعياء، فليس كل من وافق أصلًا من أصول السلف يكون بذلك سلفيًا، وليس كل من تكلم في توحيد الأسماء والصفات وتقريره يصير سلفيًا، فالسلفية وصف مدح لا يتصف بها إلا من حقق جميع الأصول ولم يخالف السلف في شئ منها، لذلك كان من شعار أهل البدع عدم الانتساب للسلف، في حين أنك تجد أهل البدع ينتسبون لأهل السنة والجماعة بالمفهوم العام لهذا المصطلح، بل ربما تبجحوا وقالوا: نحن أهل السنة والجماعة كما تدعي ذلك الأشاعرة، وكما يقول بعض الإخوان اليوم: نحن جماعة المسلمين! لكن لا ترى أحدًا من هؤلاء وغيرهم، ينتسب إلى مذهب السلف مع أن مذهب السلف لا يكون إلا حقًا.
وأحب أن أنوه أنني ما كتبت هذه الرسالة إلا رجاء أن تعرف الطريق المستقيم، والمنهج القويم الذي كان عليه سلفنا الصالح، وأن تسلك سبيل المؤمنين، وتستمسك بغرز العلماء الربانيين الذين لهم قدم صدق في الإسلام، وشابت لحاهم في العلم، واشتهروا بالأمانة والديانة والحلم، لا كهؤلاء الأنصاف الأغرار المتعالمين الذين يتخبطون ويتلونون ويتنقلون، وفي كل واد يهيمون، وصدق من قال: من جعل دينه غرضًا للخصومات أكثر التنقل. ولا ريب أنه ينبغي على الدعاة وطلاب العلم والمصلحين -لا سيما- في هذا الزمن الذي ظهرت فيه الفتن وضاعت الأمانة وقلت الديانة، الصدور عن العلماء في كل صغير وكبير. قال تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ} وقال بعض السلف: ما يزال الناس بخير إذا أخذوا العلم عن أكابرهم. فالالتفاف حول العلماء في هذه الآونة التي كثرت فيها النوازل على الأمة، أمر مطلوب شرعًا طلبًا للجماعة والائتلاف وحسمًا لمادة الفرقة والاختلاف.
حزبية نكد كالنار تضطرم *** إبطالها حق بالشرع، فاعتصموا
تختبلهم عبث كالقش تجمعهم *** والريح تنثرهم يا ليتهم فهموا
والماء تجعله في كف مرتعش *** والهبو تجمعه هل يجتمع لهم
ولعل مشاركتى القادمة تكون تحت مسمى
الرد على المخالف أصل من اصول أهل السنة والجماعة
__________________
قال البربهاري -رحمه الله- في شرح السنة:"ولا يحل أن تكتم النصيحة أحدًا من المسلمين برهم وفاجرهم في أمر الدين فمن كتم فقد غشَّ المسلمين ومن غشَّ المسلمين فقد غشَّ الدين ومن غشَّ الدين فقد خان الله ورسوله والمؤمنين"
التعديل الأخير تم بواسطة أبوعبدالله محمد ; 06-22-2009 الساعة 03:58 PM
سبب آخر: اخطاء بالكتابة
|